الأربعاء، 27 فبراير، 2013

المقال ..!


,
.

هذا هو المقال الفائز في مسابقة اليوم المهني الطبي لجامعة الدمام ..
المقال كان عن تجربتي في كلية الطب ..
شكراً للجميع ولله الحمد من قبل ومن بعد ..

,
.





[ ضوء أول ]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة "
انتبه ، إلى الجنة ..

.~*~.

[ مشهد أول  ]
في المدرسة الابتدائية قررت المديرة عقد مقابلة مع الطالبة المثالية في الإذاعة الصباحية ، جاء أحد الاسئلة فضولياً  :
- ايش تبغين تصيرين لما تكبرين ؟
لحظة صمت ثم جاء جواب الطالبة بثقة :
- طبيبة ..
لحظة صمت أخرى ثم ضحك الكثير  !

.~*~.

الحلم الذي تبني صرح مجدكَ عليه يجب أن يكون منذ اللحظة الأولى حلماً جباراً وأساساته صلدة ، ويجب عليكَ أن تكون مكافحاً وأن تعرف جيداً أن المجد العظيم لا يأتي بسهولة ، عليكَ أن تجاهد لتحوز عليه ..
منذ اليوم الأول في كلية الطب وحتى هذه اللحظة حياتي تتغير كل يوم ، ومستوى تقبلي لهذه التغيرات ينضج كل يوم ، وطاقتي على التحمل تتمدد بشكل مهيب ، وصبري الذي لم أكن أملكه سابقاً أصبح أيوبياً الآن ..
أن تكون طالب طب يعني أن تبدأ يومك وتختمه بسباق محموم يهدأ ولا ينام ، يعني أن تكون مستعداً تماماً لكي تقضي ساعات طويلة أمام كتاب أو بحث ، وأحياناً تنام برفقته !
أن تكون طالب طب يعني أن تنذز حياتك للعطاء في كل المنعطفات ، أن تُقدِم دون أن تسأل وأن تكون روحك معطاءة مستعدة لأن تضحي بكل شيء لإسعاد الآخر بلا منّة ..
في اليوم الأول في كلية الطب لا زلتُ أذكر الخوف الذي تكوّن في قلبي آنذاك ، والسؤال الذي لم يفارقني بعد ذلك ولا زال يربكني حتى هذه اللحظة "هل ستكونين طبيبة ناجحة ؟ هل أنتِ قدها ؟ "
أنا أعرف جواب هذا السؤال الآن ، لأني قطعتُ شوطاً هائلاً ينضح بالتحديات والصعاب وتجاوزتها كلها بنجاح مرضي ، وكنتُ "قدها" ..
ليس بجهدي فقط ، بل بتوفيق الله أولاً وأخيراً ، كانت الأيام ثقيلة أحياناً ، وفشلتُ كثيراً ، ولكني قط لم استسلم ، في كل مرة أسقط بها كنتُ أنهض بعدها أقوى وأكثر قدرة على التحمل لأني أعلم أن الحلم الذي أسعى له حلم عظيم ويحتاج الكثير من الجهد والكفاح ، وكنتُ أتعلم من فشلي ، وكنتُ لا ايأس على الرغم من سهولة الطريق لذلك ، لم أيأس قط ..
عليكَ أن تخوض معركة تحقيق حلمك المجيد بالكثير من الصبر والتحدي ، الرحلة شاقة لا شك ، المعلومات كثيرة ، المصادر أكثر ، المذاكرة لا تنتهي ، الأيام تمضي دون إنجاز ، الوقت يضيق ، الإختبار تعجيزي ، الحياة تنحصر في ورقة وقلم ، الأصدقاء هناك تخرجوا وبدأوا بالعمل ، حديث الناس كثير وتثبيطهم أكثر ، الصحة في انحدار والإرهاق يتضخم والهالات السوداء كثيفة ، القائمة تطول ، وسؤال آخر ينبثق بالرغم من هذه الفوضى "أنا ليه دخلت طب ؟ "
عليكَ أن تجد الجواب المناسب لهذا السؤال دوماً ، عليكَ أن تقنع نفسك بنفسك بالجواب ، لن يساعدك أحد في هذا ، لن يهوّن عليك أحد غيرك ، عليكَ أن تكون مقتنعاً تماماً بالجواب "لأن هذا حلمي" ..
اليقين بأن الله معك ، يساعدك ، يمدك بالقوة ، يكتب لك الأجر ، ييسر لك ويوفقك ، الإيمان بهذا يجعلكَ تشعر بمدى قدرتك على المواصلة دون تذمر ، ويجعلكَ تبتسم حتى عندما تسقط ..!

.~*~.


[ مشهد ثاني  ]
هدوء تام في الممر الطويل ، الطبيب المراقب يعبر المكان برتابة ، طالبات الطب يجلسن خلف بعضهن متوترات لأن الاختبار المصيري سيبدأ بعد قليل ، فجأة خرج مريض كبير في السن من غرفته ، نظر للمكان بعين مترددة وفهم الوضع ثم بدأ يمشي في الممر بإتجاه الخارج وهو يردد بصوت عالي :
"الله يجزاكن الجنة يا بنياتي" ..
"الله يجزاكن الجنة يا بنياتي" ..
"الله يجزاكن الجنة يا بنياتي" ..
فجأة ، اختفى التوتر وهبط التوفيق من السماء ..!

.~*~.

أن تكون النور الذي يضيء الطريق ، أن تكون الأمل الذي يهزم الوجع ، أن تكون الملجأ -بعد الله- للمحتاج ، هذا هو الدافع ، العطاء هو الدافع ، أنتَ تتطلع للبذل ، للخير ، لإسعاد المريض الحزين ، أنتَ عظيم بروحك هذه ، لا تنسَ هذا ..
لا تستسلم عند العقبة الأولى ، وتذكر دوماً أن الذي جعل غيركَ يصل للقمة قادر أن يوصلك لما فوق القمة ، للسماء ، لا تهتم أبداً بتجربة المتحطم اليائس الذي كان لقمة سائغة للفشل ، كُن قوياً وضع نصب عينيك النجاحات الباهرة التي حققها غيرك ، هم استطاعوا إذن أنتَ تستطيع ..
كُن أنتَ الأمل ، كُن أنتَ الرجاء ، كُن أنتَ الذي لم يستطع غيرك أن يحققه ، وكُن أنت الشمس ولا تكتفِ بتخاذل النجوم أبداً ..
الطب حياة لو اخترتها عليكَ أن تكون مستعداً تماماً لأن تتعايش مع تقلباتها ومع تفاصيلها الدقيقة برضا ، عليكَ أن تحبها وتتصالح معها ، عليكَ أن تقدر هذه النعمة التي يريدها غيرك ولا تتيسر له ، وعليكَ أن تحتسب الأجر في كل خطوة ، وأن لا تستسلم مهما طال الطريق ، بل كُن واثقاً أنك في النهاية ستصل ..

.~*~.

[ مشهد أخير  ]
المادة صعبة ، اسئلة الاختبار جاءت من "المريخ" ، والنتيجة كانت "راسب" ..
للمرة الأولى في حياته المغمورة بالنجاح والتفوق يحصل له هذا ، ولأنه كان يعرف جيداً أنه بذل كل جهده فقد شعر بالظلم وأصيب بالحزن الشديد ..
الحزن الشديد كان الشرارة التي أوقدت في داخله التحدي ، وقرر أنه لن يجعل أي شيء يحطمه ويقف في طريقة وأنه لن يستسلم أبداً ..
بعد عشرة سنوات ، طالب الطب هذا أصبح طبيباً جباراً في ذات التخصص !

.~*~.

[ لافتة ]
الطالبة المثالية في المشهد الأول كانت أنا ..

.~*~.

[ ضوء أخير  ]
وتحسبُ أنكَ جرمٌ صغيرٌ                      وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ ]]


.~*~.


..